تأرجح الذاكرة الفلسطينية| أحمد علاء الدين
أحمد علاء الدين (كاتب وصحفي فلسطيني)

ما قبل الدراما

لا يزال تأريخ أحداث عام 1948 في فلسطين موقعًا مفتوحًا، تتداخل ضمنه السرديات في صلب رهانات الصراع، وهنا تكون عمليّة “تذكر الوقائع” تحديًا حقيقيًا، بعد أن تم وضع (نكبة 1948) تحت علامة فناء العالم بالنسبة للفلسطينيين.

نقطة عمياء في الذاكرة العربية

من وجهة النظر الفلسطينية، استمر نموذج النكبة في تغذية الذاكرة الجماعية بقدر ما استمر في التأريخ. بالمقابل، لم يكن رد الفعل العربي الأول على هزيمة عام 1948 تأريخيًا بالمعنى الدقيق للكلمة، إذ بدا أن فكرة النكبة ذاتها هي أداة تطوير نقدي لمنظّري القومية العربية، ممن لا تمثل هزيمة فلسطين بالنسبة لهم سوى إضافة، أو علامة لكارثة عربية جديدة أكبر، أخلاقية ومادية.

في الواقع، لا يرتبط توصيف مصطلح “النكبة” بأحداثها المهولة، بقدر ارتباطه برمزية الحدث ومعناه ووصفه، الذي قدّمه عنوان الكتاب الأول (معنى النكبة 1948) للفنان السوري الفيلسوف والمؤرخ قسطنطين زريق (1919-2000). بالنسبة إليه، لم يكن الأمر يتعلق بكتابة التاريخ بقدر ما يتعلق باستخلاص الدروس منه لإعادة صياغة البنية العربية

بعيدًا عن ردوده الفلسفية والأيديولوجية الفورية، النابعة من طرف المثقفين القوميين العرب، لا توجد رواية عربية موحدة قادرة على تفسير هزيمة عام 1948 وتقديم استجابة للرواية القومية الإسرائيلية.

إذ يخضع الإنتاج التأريخي العربي، من ناحية، للمنطق القومي الذي يختلف من دولة إلى غيرها، ومن ناحية أخرى، للضرورات السياسية للشرعية في الدول التي خرجت لتوها من الحكم الاستعماري. لقد ألقت الهزة الصدمية لهزيمة فلسطين بظلالها على الأنظمة البرلمانية والليبرالية الموروثة من الانتداب أو المحميات ومهدت الطريق للأنظمة البريتورية.

هذا الاضطراب الكبير في الوجه السياسي للمنطقة ألقى بثقله على كتابة التاريخ، ليصبح عملًا لا يقوم به المؤرخون، والصحفيون، بقدر ما يقوم به ممثلوا الحدث (العسكريون) الذين ينشرون مذكراتهم واحدة تلو الأخرى، وغالبًا ما يلقون باللائمة في الهزيمة على الخيانة السياسية والانقسامات الداخلية في المشهد الإقليمي العربي.

مثال ذلك، في العراق، شجب رئيس أركان الجيش السابق، صالح صائب الجبوري (1898-1993) تأخيرات الحكومة المصرية، كما استنكر رفض الفيلق العربي الأردني لمساعدة العراقيين، ورفض اتهام قواته بالسلبية، آسفًا على النقص القاسي في الأسلحة والذخيرة.

التأريخ السوري، من جهته، يلخَّص في أن دمشق، دفعت مصر إلى الحرب لمنع شرق الأردن من الاستيلاء على الأراضي التي تم نقلها إلى الأرض العربية في خطة التقسيم.

في مصر، موضوع الخيانة السياسية منتشر في كل مكان. فضلًا عن البيانات الكاذبة التي أعلنت تقدم الطليعة المصرية إلى ضواحي تل أبيب. عادة ما ينتج التأريخ المصري ككل حجتين متكررتين لتفسير الهزيمة: فساد الملك فاروق وحاشيته المتهمين بشراء أسلحة متقادمة، وقبول هدنة 11 يونيو، التي اعتبرت خطأ، دفع القوات العربية إلى السماح للجيش الإسرائيلي بإعادة تسليح نفسه بالقرب من المعسكر السوفيتي

أيضًا، التأريخ عبر الأردن فريد من نوعه من حيث ترتيب الردود على اتهامات الهاشميين بإجراء لاتفاقات السرية مع إسرائيل وبريطانيا العظمى. قدم هزاع المجالي، وهو صديق مقرب للملك عبد الله، في كتابه (مذكراتي 1960) قبول تقسيم فلسطين باعتباره “أداة تكتيكية لسياسة براغماتية” مع الحرص على إخفاء الاتصالات بين الصهاينة والهاشميين. ومع ذلك، لا يمكن اختزال التأريخ في الأردن من خلال شهادات الجهات العسكرية التي تستجيب لقضايا سياسية بحتة. منذ نهاية السبعينيات، استفاد المؤرخون الأردنيون مثل سلامة موسى من الوصول الجزئي إلى الأرشيفات الوطنية، ولدى الاطلاع على الأرشيف البريطاني المفتتح في عام 1978، اعترف سلامة موسى بالاتصالات مع الصهاينة

تأريخ فلسطيني متجاوب

بالنسبة للفلسطينيين، الرهانات مختلفة. هنا، يتم فصل التأريخ عن سرد الذاكرة المتناقلة عبر الأجيال. لأن الفلسطينيين وجدوا أنفسهم في مواجهة إنكار ثلاثي، إنكار الوجود التاريخي والراهن والمستقبلي.

ضمن هذا المنحى، اشتغل إلياس صنبر(كاتب وسفير فلسطين لدى اليونسكو) على تظهير الصور الأولى لفلسطين في القرن التاسع عشر (الفلسطينيون: صور لأرض وأهلها من عام 1839 إلى الوقت الحاضر)

لقد تم طمس لجوء عام 1948 بسبب الغياب الفعلي للصور، على الرغم من وجود العديد من الصحفيين والمراقبين الأجانب، كما لو أن صورة الفلسطيني المطرود من أرضه قد غُطيت ومُحيت من قبل صورة اليهودي العائد، هؤلاء اليهود “الذين يروون مأساة تاريخية في أبعاد نهاية العالم” على حد تعبير إدوارد سعيد

عليه، بدأت تتخذ ردود الفعل الفلسطينية ناحية المراجعات التاريخية الإسرائيلية شكلاً آخر. في مقابل عبادة الأرشيف وخطاب الإثبات. يقدر المؤرخون الفلسطينيون استخدام المصادر الشفوية بعد أن جردهم “الوضعيون في الأرشيف الإسرائيلي” من تاريخهم. وبعدما تم تدمير تراثهم المكتوب لدى فقدان أرشيف (المقدس) الذي حدث على ثلاث مراحل

في هذا الصدد: صادر الجيش الأردني جزءًا منه في مايو 1948، وأحرق جزء منه في القدس الشرقية عام 1967 على يد فيصل الحسيني خوفًا من الأعمال الانتقامية الإسرائيلية، أما الباقي فقد استولى عليه الجيش الإسرائيلي عام 2001 عندما أغلق بيت الشرق. على ذلك، فإن الفلسطينيين، على استعداد لتقديم أجسادهم من أجل استعادة السيطرة على روايتهم.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.